محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

208

الإنجاد في أبواب الجهاد

قال : كنتُ في جيشٍ ، فلقينا العدو ، فحاصَ الناس حَيْصَةً ، فكنتُ فيمن انحاز ، فقلنا : لا ندخل المدينة ، وننظر في وجوه الناس ، وقد بؤنا بغضبٍ من الله ، فأقمنا بجنبَاتِها ، فقلنا : لو دخلناها فَنَتَثَبَّتُ منها - وفي رواية : فامْتَرْنا منها ، وفي كتاب أبي داود : فنثبُتُ فيها ( 1 ) - نذهب فلا يرانا أحدٌ ، فدخلناها ليلاً ، فقلنا : لو عرضنا أنفسنا على نبي الله - صلى الله عليه وسلم - ، فإن كانت لنا توبةٌ تُبنَا ، قال : فقعدنا له في الطريق ، فخرج لصلاة الغداة ، فقلنا : يا رسول الله ، نحن الفرَّارون ، قال : « بل أنتم العَكَّارون » ، قال : قلنا : يا رسول الله ، نحن الفرَّارون ، قال : « بل أنتم العكَّارون » - ثلاث مرار - فأخبرناه ما أردنا أن نصنع ، قال : « فلا تفعلوا ، أنا فئتكم » ، وفي كتاب أبي داود : فأقبل إلينا فقال : « لا ، بل أنتم العكّارون » ، قال : فَدَنونَا ، فَقَبَّلْنا يده ، فقال : « أنا فئة المسلمين » . ففي حديث ابن عمر هذا زيادةُ بيانٍ في عموم حكم آية النهي عن التولّي يوم الزحف ، إلاّ إلى فئةٍ ، وأن ذلك ليس مخصوصاً ببدر ، وابن عمر لم يقبله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للحرب ، إلا بعد يوم بدر . قوله : « العكَّارون » هم الكرَّارون ، الرَّاجعون . يقال : عَكَرَ واعْتكر إذا كرَّ ورجع ، فكان رجوعهم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وإلى ما كانوا عليه من بذل أنفسهم في

--> = إلى الحرب ، العطَّافون نحوها ، يقال للرجل يولّي عن الحرب ، ثم يكرُّ راجعاً إليها : عكر واعتكر ، وعكرتُ عليه : إذا حَمَلْتُ . لطيفة : أسند الخطابي في « المعالم » ( 2 / 236 ) إلى الأصمعي ، قال : رأيت أعرابياً يغلي ثيابه ، فيقتل البراغيث ، ويترك القمل ، فقلت : لم تصنع هذا ؟ قال : أقتل الفرسان ، ثم أُعَكِّرُ على الرَّجَّالة . وقوله : « أنا فئتكم » . قال ابن الأثير : الفئة : الفرقة والجماعة من النَّاس في الأصل ، والطائفة التي تقيم وراء الجيش ، فإن كان عليهم خوفٌ أو هزيمة التجؤوا إليهم . ( 1 ) في الأصل : « منها » والكلمة التي قبلها محتملة ، والمثبت من « سنن أبي داود » ، وفي رواية ابن الأعرابي : « فننبتُّ » ، وفي رواية ابن داسة : « فننبثّ » وفي بعضها : « فَنَتَثَبَّت » ، وفي بعضها : « فنبيت » .